أحمد بن محمد ابن عربشاه

36

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فتصدى للمعارضة ، وتهيأ للمعاكسة والمناقضة وأقبل يرفل « 1 » في ثوب المكر ، وقد شد دهاء الختل والختر « 2 » حتى وقف في مقامه واستطرد إلى قضية الحكيم في كلامه ، فأجرى الملك كلام أخيه واستشار الوزير فيه ، فاغتنم الفرصة وأراد إلقاءه في غصة « 3 » بإيراد مثل قصد به ايذاءه وقصه . ثم قال : أما ما قصده الحكيم من العزلة ؛ فهو رأى قويم وفكر مستقيم ؛ لأن الأعداء إذا تفرقوا تشققوا ، ومتى قلوا ذلوا ، وقد قيل : وما بكثير ألف خل وصاحب * وإن عدوا واحدا الكثير وإذا نقص من أعداء الملك واحد ، سيما مثل اللئيم حسيب الحكيم ؛ فهي نعمة طائلة ، وسعادة واصلة ، ودولة مستصحبة . وكما قيل : نعمة غير مترقبة . ويتوصل من ذلك إلى تشتيت أمرهم الحالك « 4 » ، وتصارم « 5 » أقوالهم ، وتخالف أحوالهم واضطراب رأيهم وأفعالهم وقد قيل : وتشتت الأعداء في آرائهم * سبب لجمع خواطر الأحباب وأما قصده وضع الكتاب ؛ فإنه خطأ لا صواب ، وتعبيره بأن فيه فوائد وحكما ، وأقوال العلماء والحكماء ، وأن يرفع به للعلم علما ، فإنه مكر وخديعة من سوء السريرة وخبث الطبيعة ، يريد أن يستر جهله وأن يظهر على فضل الملك فضله ، ويشتمل بذلك الوسواس على قلوب الناس ؛ فتنصرف الوجوه إليه ، وتقبل الرعايا عليه . ولكن يا مولانا الملك لا تمنع ذلك المنهمك ، وأجبه

--> ( 1 ) يمشى ويجر ثوبه في تبختر . ( 2 ) المكر والدهاء . ( 3 ) الغصة : الهم ، والمعنى : أن يوقعه في محنة تصيبه بالهم من جرائها . ( 4 ) الشديد السواد . ( 5 ) تضارب .